فخر الدين الرازي

35

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

وبالعكس ، والدليل الّذي يدل على أحد هذه الأمور غير الدليل الّذي يدل على سائرها ، وكل ذلك ينافي أن تكون الذات والعلم والقدرة أمرا واحدا . الطريقة الثالثة في النظر إلى صفات اللّه أنا إذا قلنا : إن كونه تعالى عالما قادرا أمران ثبوتيان زائدان على الذات ، فها هنا قال أبو هاشم : العالمية والقادرية لا يقال فيهما موجودتان أو معدومتان أو معلومتان أو لا معلومتان ، واتفق أكثر العقلاء على أن ما قاله باطل ؛ لأن كل تصديق فهو مسبوق بالتصور لا محالة ، فلو لم تكن هاتان الصفتان متصورتان لما أمكن الحكم عليهما بكون الذات موصوفة بهما ، وأيضا لو لم تكن هذه الصفة متصورة لما أمكن الحكم عليها بأنها غير متصورة ، لأن قولنا : هذا غير متصور ، قضية وكل قضية فلا بد وأن تكون مسبوقة بتصور موضوعها ومحمولها ، وأيضا المحكوم عليه بأنه غير معلوم ليس هو الذات بل هو الصفة ، فهذه الصفة مستقلة بكونها محكوما عليها بأنها غير متصورة وذلك متناقض . الطريقة الرابعة في النظر إلى صفات اللّه ولما بطلت هذه المذاهب لم يبق إلا أن يقال هاتان الصفتان أمران ثبوتيان معلومان زائدان على الذات ، وهذا قول مثبتى الصفات ، فهذا هو الإشارة إلى غور هذه المسألة ، والاستقصاء فيها مذكور في كتب الكلام . ولما بطلت شبهات نفاة الأسماء وشبهات نفاة الصفات ، لم يبق إلا الجزم بإثبات الأسماء والصفات على ما هو قول الجمهور الأعظم من أهل العلم ، ومباحث هذا الكتاب مفرعة على هذا الأصل الممهد والقانون المؤكد . . واللّه أعلم